أبي الفرج الأصفهاني
125
الأغاني
فلم يركب القبّة [ 1 ] وركب نجيبا فسار بيننا ، فجعلت الشمس تضحك [ 2 ] بين عينيه ، فقال : إني قائل بيتا فمن أجازه وهبت له جبّتي هذه ؛ فقلنا : يقول أمير المؤمنين ، فقال : وهاجرة نصبت لها جبيني يقطَّع ظهرها ظهر العظايه [ 3 ] / فبدر بشار الأعمى فقال : وقفت بها القلوص ففاض دمعي على خدّي وأقصر واعظايه فنزع الجبّة وهو راكب فدفعها إليه . فقلت لبشّار بعد ذلك : ما فعلت بالجبّة ؟ فقال بشّار : بعتها واللَّه بأربعمائة دينار . كان له شعر غث يعير به : أخبرني أحمد بن العباس العسكريّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ قال حدّثني عبد الرحمن بن العباس بن الفضل بن عبد الرحمن بن عيّاش بن أبي ربيعة [ 4 ] عن أبيه قال : كان بشّار منقطعا إليّ وإلى إخوتي فكان يغشانا كثيرا ، ثم خرج إبراهيم بن عبد اللَّه فخرج معه عدّة منّا ، فلما قتل إبراهيم توارينا ، وحبس المنصور منّا عدّة من إخوتي ، فلما ولي المهديّ أمّن الناس جميعا وأطلق المحبوسين ، فقدمت بغداد أنا وإخوتي نلتمس أمانا من المهديّ ، وكان الشعراء يجلسون بالليل في مسجد [ 5 ] الرّصافة ينشدون ويتحدّثون ، فلم أطلع بشّارا على نفسي إلا بعد أن أظهر لنا المهديّ الأمان ، وكتب أخي إلى خليفته بالليل ، فصحت به : يا أبا معاذ من الذي يقول : أحبّ الخاتم الأحم ر من حبّ مواليه / فأعرض عنّي وأخذ في بعض إنشاده شعره ، ثم صحت : يا أبا معاذ من الذي يقول : إنّ سلمى خلقت من قصب [ 6 ] قصب السكَّر لا عظيم الجمل وإذا أدنيت منها بصلا غلب المسك على ريح البصل فغضب وصاح : من الذي يقرّعنا بأشياء كنا نعبث بها في الحداثة فهو يعيّرنا بها ! فتركته ساعة ثم صحت به : يا أبا معاذ من الذي يقول :
--> [ 1 ] القبة : الهودج . [ 2 ] تضحك : تتلألأ . [ 3 ] العظاية : دويبة ملساء تعدو وتتردّد تشبه سام أبرص . [ 4 ] في جميع النسخ : « ابن ربيعة » بدون كلمة « أبي » . [ 5 ] كذا فيء ، أ ، ح . وفي باقي النسخ : « سجن الرصافة » وهو تحريف ، والرصافة : اسم لمواضع كثيرة والمرادة هنا هي « رصافة بغداد » بالجانب الشرقيّ ، ذكرها ياقوت فقال : لما بنى المنصور مدينته بالجانب الغربيّ واستتمّ بناءها أمر ابنه المهديّ أن يعسكر في الجانب الشرقيّ وأن يبني له فيها دورا ، وجعلها معسكرا له ، فالتحق بها الناس وعمروها ، فصارت مقدار مدينة المنصور وعمل المهديّ بها جامعا أكبر من جامع المنصور وأحسن . وكان فراغ المهدي من بناء الرصافة والجامع بها في سنة 159 ه وهي السنة الثانية من خلافته . [ 6 ] كذا في الأصول وفي « زهر الآداب » ج 1 ص 206 طبع المطبعة الرحمانية . إنما عظم سليمى خلتي قصب . . . إلخ